Posted by: أبو عمر | 12/08/2015

العلاقات السامّة

العلاقات السامّة

الانسان مدني بطبعه، ولذا فإن الصحبة هي علاقة طبيعية في الإنسان الطبيعي وانتفاءها “العزلة” قد يكون مرضياً. وحرمان الإنسان منها هو تعذيب نفسي قاهر فالله عز وجل

أخبرنا في كتابه أن من بؤس أهل النار تألمهم بفقدان الصديق قال ﷲ تعالى عن أهل النار﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ*وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ . لكن هذه الصداقات سلاح ذو حدين وقد أخبرنا الرسول صلى ﷲ عليه وسلم عن ذلك فقال “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.

لذلك فإن العلاقات قد تكون ترياقاً يؤدي إلى السعادة الأبدية كما قال ﷲ عز وجل في الحديث القدسي العظيم الذي رواه أبو هُريرة رضي ﷲ عنه عن مجالس الذكر “هم القوم لا يشقى بهم جليسهم”.

وقد تكون العلاقات سمّا زعافاً يؤدي إلى الحسرة والندامة وهذا هو موضوع هذا المقال. فمن أمثلة العلاقات السامّة هي تلك العلاقة التي أودت بأبي طالب عّم الرسول صلى ﷲ عليه وسلم إلى المقام الدائم في نار جهنم على رغم ما قدمه من حماية ورعاية للرسول صلى ﷲ عليه وسلم طوال حياته ففي الصحيحين عن ابن المسيب عن أبيه , قال : ( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل , فقال له : (( يا عم قل : لا إله إلا الله . كلمة أحاج لك بها عند الله )) فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟! فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا , فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب،،، الحديث. فأبو جهل وعبدالله بن أمية كانا نموذجاً للعلاقة السامة التي أدت إلى شقاء أبي طالب الأبدي. وهناك أمثلة كثيرة لذلك.

فمن صفات العلاقة السامة تبسيط المعصية مثل أن تعتاد الذهاب مع زميل لك إلى مقهى أو مطعم أو مركز رياضي تصدح فيه الموسيقى فتقضي حاجتك التي جئت من أجلها ثم تنصرف فإذا ركبت مع صاحبك وأدار الموسيقى في سيارته وأنت لاتسمع الموسيقى قال لك وماذا عن تلك التي في المطعم أو المقهى ما الفرق بينهما فيبسطها في نفسك إبتداءً

ثم تنتقل العلاقة السامة من تبسيط المعصية إلى تهوينها في النفس حتى تعتادها

وأخطر من تهوين المعصية هو الصاحب الذي يبحث لصاحبه عن مخارج لتحليل ما حَرَّم ﷲ فيستشهد بالأقوال الشاذة وينقّب عن شذوذات أهل العلم حتى يصل لمرحلة وصفها ﷶ ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم كما قالَ حُذَيفةُ : سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ “تُعرَضُ الفتنُ علَى القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ سَوداءُ وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ بَيضاءُ حتَّى تصيرَ علَى قلبَينِ علَى أبيضَ مِثلِ الصَّفا فلا تضرُّهُ فتنةٌ ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ والآخرُ أسوَدُ مُربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يعرِفُ معروفًا ولا ينكرُ مُنكرًا إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواهُ” صحيح مسلم

قد يكون الرجل أو المرأة قوي الشخصية ذو مكانة ولكنه قد يقع تحت تأثير “بيئة سامّة” مكونة من زملاء دراسة أو أقارب أو أخلّاء أو مسؤلين فتغلبه تلك البيئة ويستسلم لتأثيرها مثلما حصل مع أبي طالب ففي رواية أخرى أنه قال : لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، ولا أقولها إلا لأقر بها عينك

وهذا ينطبق على المرأة كما ينطبق على الرجل في حجابها وتأثير قريباتها وصديقاتها أو حتى زوجها وأولادها في مدى تمسكها به ومن ذلك قصور الأفراح وما يصاحب ذلك من منكرات تنفطر له الأكباد. ومن ذلك تأثير وسائل الاعلام من قنوات أو تواصل اجتماعي فمن ينكر تأثيرها السام على المرأه فهو كمن يغمض عينيه وهو على شفا جرفٍ هارٍ ونحن نرى ونسمع ما يحصل من ابتزاز وهتك أعراض بسببها

وقد تكون العلاقة السامة من الزوجة والأولاد فعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وسأله رجل عن هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح

وقد تكون العلاقة السامة من الأبوين مع الولد مثل أن يرغم الأب ابنه على ترك الخير وأهله أو يرغم ابنته على الاختلاط بالناس الأجانب عنها و ترك الحجاب

والسؤال هنا كيف تعرف أنك تتعرض أو تقع تحت تأثير العلاقة السامّة

السؤال مهم جداً والجواب عليه كالتالي متى رأيت نفسك تتكاسل عن فضائل من الأعمال كنت حريصاً عليها قبل أن تلتقي بصاحب العلاقة السامة فاعلم انك تعرضت لأثرها. فمن كان حريصاً على الخير مثل قراءة القرآن وحفظه ثم انصرف عنها إلى سماع الأناشيد مثلاً أو حتى متابعة المباحات فهذا من تأثير هذه العلاقة السامة وقس على ذلك تركك لحلقات التحفيظ أو مجالس الذكر بحجج واهية هو من تأثير العلاقة السامة

وأشد منها إذا رأيت نفسك تقصر في الواجبات أو تتكاسل عنها أو تختلق الأعذار لها فهذا من علامات العلاقة السامة فإذا رأيت نفسك مثلاً تترك صلاة الجماعة في المسجد بحجة اللحاق بزملائك في الملعب أو الاستراحة والصلاة معهم هناك  فهذه من آثار المنكرات وقس على ذلك

وأكثر منها خطراً اذا وجدت نفسك تبحث عن مخارج لارتكاب منكر من المنكرات مثل سماع الأغاني أو حلق اللحية وإطالة الثوب أو ترك الجماعة أو غيرها من المنكرات حتى تشعر براحة الضمير لكي ترضي أصدقائك، زوجتك، أو والديك فاعلم أن هذه العلاقة سامة بل سامة جداً، وينطبق على المرأة ما ينطبق على الرجل

وعندما تشعر بأن لديك الاستعداد للتخلي عن واجب من الواجبات أو الوقوع في منكر من المنكرات من أجل المحافظة على العلاقة السامة فاعلم أن المرحلة وصلت إلى العلاقة القاتلة تلك التي تسبب الندم العظيم يوم لاينفع الندم قال تعالى عنها

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾

حينها ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾

والسؤال الأهم كيف يمكن النجاة من هذه العلاقة السامة

علينا أن نعلم أن العلاقات أربع علاقة نسب كالوالدين والأبناء، وعلاقة ارتباط كالزواج، وعلاقة ارتياح كالصداقة، وعلاقة عمل وسلطة

وتختلف الطرق بحسب العلاقة لكن هناك طرق عامة

أولها: الاعتصام بالكتاب والسنة فكلما رأيت نفسك تتكاسل أو تتراجع عن خير أو تنازعك نفسك إلى منكر فعليك بكتاب ﷲ عز وجل وسنة رسوله صلى ﷲ عليه وسلم فانهل من معينهما وتأمل كيف صبر الأنبياء والصحابة والسلف والعظماء وصابروا وكيف قدموا رضا ﷲ عز وجل على رضا غيره وكيف جاهدوا أنفسهم تأمل في إبراهيم عليه السلام مع أبيه وفي آسية بنت مزاحم رضي الله عنها مع زوجها فرعون وفي موسى عليه السلام مع فرعون وفي يوسف عليه السلام مع اخوته وفي مصعب بن عُمير رضي ﷲ عنه مع أمه وفي قول ﷲ عز وجل عن حوار القرينين يوم القيامة

﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ* يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ* أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ* قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ* فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ* قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ* وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

ثانياً: خير وسيلة للدفاع هو الهجوم كن داعياً للخير بين أهلك وأصدقائك وزملائك فإنك إن دعوتهم للخير لن يدعوك للباطل، وكن على بصيرة من دينك وتعلم دينك حتى لا تقع أسيراً للشبهات

ثالثاً: فإن وجدت نفسك عاجزاً عن مواجهة التيار الجارف فاعتزال هذا التيار خَيْرٌ من الاستسلام له ليجرفك إلى قعره السحيق ولا أعني بالاعتزال القطيعة ولكن ما أعنيه هو العزلة الشعورية والنفسية ذلك الحاجز النفسي الذي اتخذه إبراهيم عليه السلام يوم قال لوالده ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾

رابعاً: ترك من علاقته سمّاً لا يُرجى علاجها وآخر الدواء الكيّ وهو نفسه الذي اتخذه أصحاب الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾  فلما وجدوا أنفسهم غير قادرين على المواجهة لجؤوا إلى العزلة الجسدية وانتقلوا عن تلك البيئة السامة. وفي حديث قاتل المئة أمره العالم أن يترك بيئته السامة ويذهب إلى البيئة الصالحة “ليعبد ﷲ معهم”

أخيراً فإن ﷲ جعل المسئولية أمامه فردية ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ ولذلك فإن الله عز وجل ذكر اختصام الأخلّاء يوم القيامة وعداوتهم بعضهم البعض ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ  عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ وذكر بأنهم سيلعنون بعضهم بعضاً ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ و لكن النتيجة النهائية عند الله ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه والدفاع عنه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ومحاربته

والحمدلله رب العالمين

أبو عمر

زاهر الشهري

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: